نخبة من الأكاديميين

27

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

يملك قريضاً ، وكان من أظرف قريش وأعقلها ، حتى قدم على قيصر ، وقد رأى موضع حاجتهم إليه ومتجرهم في بلاده ، فذكر له مكّة ورغّبه فيها ، وقال : تكون زيادة في ملكك كما تملك كسرى صنعاء ، فملّكه عليهم وكتب له إليهم ، فلما قدم عليهم قال : يا قوم إن قيصر ، وقد علمتم ببلاده وما تصيبون من التجارة في كنفه ، قد ملّكني عليكم ، وإنما أنا ابن عمكم وأحدكم ، وإنما آخذ عنكم الجراب والقراط وألعكه من السمن والأوهاب ، فأجمع ذلك ثم أبعث به إليه ، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام فلا تتجروا به ويمنع مرفقكم » « 1 » . هذه « الوثيقة » بصيغتها الإخبارية ، تؤكد على مدى أهمية الشام في تجارة مكة ، وهو أمر لم يكن غائباً عن القيصر الذي أستغلّ ذلك في إطار الصراع على المنطقة واقتسام النفوذ فيها ، مهدِّداً قريشاً ، في حال عدم الاستجابة لخطّته ، بقطع هذا المرفق الحيوي عنها . بيد أنه لم يتخل في الوقت عينه عن السياسة البيزنطية التقليدية ، الرامية إلى تجنّب التورط العسكري المباشر في شبه الجزيرة ، مؤثراً عليه محاولة اختراق الجبهة الداخلية لقريش ، بواسطة شخصية نوّهت « الوثيقة » بكفاءتها ، لتنفيذ انقلاب في مكة ، يصب إن توفّرت له سبل النجاح ، في مصلحة البيزنطيين . . هذه المحاولة ، في توقيتها ، رمت أيضاً إلى إنقاذ سمعة الإمبراطورية ، بعد الضربة التي أصابتها بهزيمة حلفائها الأحباش في اليمن ، وسيادة النفوذ الفارسي في أعقابهم على الأخيرة ، كما تزامنت أيضاً مع تراجع نفوذ الغساسنة ، وافتقادهم دور الوسيط مع القبائل العربية ، الآخذة في الانتشار على امتداد خط القوافل ، وذلك بتشجيع من البيزنطيين الذين رأوا في احتوائهم ، ما يسهل حركة اختراقهم للحاضرة الحجازية ، ولكن مكة وكانت لا تزال متضامنة على الرغم من اهتزاز نظامها « التكافلي » - لم تُبدِ حماسةً لمشروع القيصر ، ولم تأبه لتهديده الذي أثبت عدم جدواه ؛ لا سيما وأن تجارتها ، ليست تخص قريشاً وحدها ، وإنما كان البيزنطيون بحاجة ماسة إليها ، بدليل أن القوافل تابعت رحلاتها الاعتيادية ، من دون عائق إلى الشام . غير أن الشام ، شهدت بعيد ذلك تغيّرات قضت نهائياً على أحلام البيزنطيين في هذا الاتجاه ، حين فوجئت بغزو الفرس ، الذين جاءت سيطرتهم على اليمن ، لتفتح أعينهم على هذه المنطقة التي شكّلت عمقاً حيوياً لشبه الجزيرة ، فيما كان البيزنطيون يخوضون حروباً قاسية ضد الصقالبة ، سرعان ما انعكست أزمات حادة على جبهتهم الداخلية « 2 » . وكان لا بد أن تتأثر قريش بهذه المتغيرات بعد خروج الشام من السيطرة البيزنطية ، حيث باتت الأسواق ومصادر السلع الوافدة على اليمن تحت هيمنة الفرس . ولكن قريشاً بخبرتها ، وعقلها التجاري ، وقدرتها التنظيمية لحركة القوافل ، تجاوزت ، وإن بصورة نسبية هذه الأزمة ، ولم تجد صعوبة في التكيّف مع الواقع الجديد ، مستخدمة مرونتها باتفاق ، لإبعاد مصالحها عن الصراعات الدولية . وهكذا استمرّت طريق الشام مفتوحة أمام قوافل قريش ، من دون أن تصطدم بما يعرقل حركتها من جانب القوة الفارسية الجديدة . . وبقيت مستمرة أيضاً بعد عودة الشام إلى الفلك البيزنطي ، باعتبار أن التجارة - خصوصاً إذا كان الطرف القائم بها غير ضالع في الحرب تبقى حاجة ماسّة للقوى

--> ( 1 ) الفاسي ، المصدر السابق ج . 2 ص . 108 - 109 . ( 2 ) أسد رستم ، المرجع السابق ج . 21 ص . 227 .